بنايات تاريخية(اغرمان) بين الأصالة والنسيان

بين أشجار الزيتون والجبال الصامتة، تقف هذه البنايات الطينية العريقة(اغرمان) شاهدةً على عبقرية الإنسان الأمازيغي في التكيّف مع الطبيعة، وبناء حضارة تنبض بالبساطة، الصمود، والجمال.

بناية طينية قديمة في تيلوكيت، شُيدت بالمواد الطبيعية المتاحة محليًا (الطين، التبن، الخشب)، وكانت تُستخدم كمسكن عائلي جماعي وكذلك كمخزن للحبوب.

معالم منسية من ذاكرة الأطلس الكبير

بين تضاريس جبال الأطلس ، وفي قلب الطبيعة البكر لتيلوكيت، تقف هذه البنايات الطينية الصامتة شاهدةً على تاريخ عريق، وحضارة أمازيغية أصيلة كادت أن تندثر في غياب التوثيق والاهتمام الرسمي. هذه المعالم المعمارية، التي يطلق عليها محليًا بـ”إغرمان” أو “إيخوربن”، ليست مجرد أكوام من التراب المجفف، بل تمثل نموذجًا فريدًا من العمارة البيئية التي دمجت الذكاء المحلي بالمواد الطبيعية.

هذه المباني ليست فقط جدرانًا طينية؛ إنها أرشيف مفتوح لحياة الناس، تحكي عن العائلة، العمل، الفصول، وتعايش الإنسان مع الجبل والمناخ.

تشيّد هذه الحصون الطينية وفق تقنيات عريقة باستخدام التربة المحلية الممزوجة بالقش والماء، وتُترك لتجف طبيعيًا تحت أشعة الشمس. بنيت بأسلوب يجعلها تتماشى مع البيئة المحيطة وتقاوم تغيرات المناخ، وتُصمم الجدران بسُمك كبير يحافظ على درجة حرارة مستقرة صيفًا وشتاءً. الفتحات المثلثة أو المربعة التي نراها في الجدران لم توضع عبثًا، بل كانت تُستخدم للتهوية، المراقبة، أو حتى لتخزين المؤن.
كانت تُستخدم غالبًا كـ:

  • 🏠 مساكن تقليدية جماعية أو عائلية
  • 🛖 مخازن للحبوب والمؤن (أَغرم)
  • 🧱 أبراج للحماية أو الحراسة (قصبة )

تحمل هذه البنايات في شكلها وزخرفتها رموزًا أمازيغية متجذّرة. من توزيع الفتحات إلى النقوش الطينية على الأبواب أو الجدران، كل تفصيل يعكس هوية فنية وشيفرة ثقافية محليّة. هذا التراث المعماري جزء لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية لأبناء المنطقة، ويشكّل صلة وصل بين الأجيال.

ما يُميزها هو:
✔️ الاستدامة البيئية
✔️ العزل الحراري الطبيعي
✔️ الهندسة الجماعية غير المكتوبة
✔️ الانسجام الكامل مع تضاريس المنطقة

خطر الاندثار

اليوم، تعاني هذه المعالم من الإهمال، وقد تهدمت العديد منها نتيجة العوامل الطبيعية وغياب الترميم. لا توجد أي جهود رسمية لتصنيفها كمواقع أثرية أو لتأهيلها سياحيًا. ومع استمرار نزوح السكان نحو المدن، تزداد احتمالية ضياع هذا التراث المعماري غير القابل للتعويض. وهو ما يُهدد بفقدان جزء من الهوية المعمارية والذاكرة الجماعية لساكنة تيلوكيت والقرى المجاورة.

إن تجاهل هذا التراث هو فقدان للصلة بين الأجيال، وخسارة لرأسمال ثقافي لا يُعوّض.


دور التوثيق الرقمي

من هنا، نرفع نداءً إلى الجهات المعنية، من وزارة الثقافة، إلى المعاهد الوطنية المتخصصة في التراث، إلى الباحثين في العمارة الأمازيغية، للالتفات إلى هذه الكنوز المنسية في قلب الأطلس. كما نحث الشباب المحلي على المساهمة في توثيق هذه المعالم من خلال الصور، الروايات الشفوية، والمبادرات المجتمعية.
نشر هذه الصور على منصة “تيلوكيت الرقمية” يهدف إلى:
إعادة الاعتبار لهذا الموروث المعماري
لفت انتباه المهندسين، الباحثين، والمؤسسات الثقافية
خلق وعي مجتمعي بأهمية المحافظة على الموروث المحلي

دعوة للترميم والحماية

ندعو كل الغيورين على التراث الأمازيغي المغربي، من سلطات، أكاديميين، وجمعيات، إلى:

  • دعم مبادرات ترميم هذه البنايات
  • إدراجها ضمن المسارات الثقافية والسياحية الجبلية
  • تخصيص ميزانيات للتراث القروي المهمّش

في الختام

إن هذه البنايات ليست مجرد طين وحجارة، بل هي قصصُ أسلافٍ صمدوا في وجه الجوع والبرد، وبنوا حضارةً بالبساطة والكرامة. الحفاظ عليها هو حفاظ على هويتنا الجماعية، وعلى تاريخ لا يروى في الكتب، بل تُخبرنا به الجدران. فلنمنحها ما تستحق من اهتمام، قبل أن تنهار في صمت، وتأخذ معها فصولًا من تاريخنا الجماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *